ابن عجيبة
462
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقبلون من وجدوه طيب الأخلاق ، ويردون من وجدوه خبيث الأخلاق ، فإن هذا ليس من شأن أهل التربية النبوية ، بل من شأنهم أن يقبلوا الناس على السوية ، ويقلبوا فيهم الأعيان ، فيقلبون العاصي طائعا ، والكافر مؤمنا ، والغافل ذاكرا ، والشحيح سخيا ، والخبيث طيبا ، والمسئ محسنا ، والجاهل عارفا ، وهكذا ؛ لما عندهم من الإكسير ، وهي الخمرة الأزلية ، أي : التي من شأنها أن تقلب الأعيان ، كما قال ابن الفارض رضي اللّه عنه في وصفها : تهذب أخلاق النّدامى فيهتدى * بها لطريق العزم من لا له عزم ويكرم من لم يعرف الجود كفّه * ويحلم عند الغيظ من لا له حلم وقوله : وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ يعنى : حتى تتحققوا بوصول الغنى إلى قلوبهم ، فإن تحققتم فخذوا ما بذلوا لكم من أموالهم . والله تعالى أعلم . ولمّا كان الأولياء ، إذا كانت تحتهم يتيمة لها مال ، وخافوا أن يدخل معهم أجنبي ، تزوجها أو زوجوها من أبنائهم ، حرصا على أكل مالها ، ولا يقسطون لها في صداقها ، وربما أساءوا عشرتها انتظارا لموتها ، فنهاهم الله عن ذلك بقوله : [ سورة النساء ( 4 ) : آية 3 ] وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا ( 3 ) قلت : « ما » من شأنها أن تقع على ما لا يعقل ، وهنا وقعت على النساء لقلة عقلهن حتى التحقن بمن لا يعقل « 1 » و ( مثنى وثلاث ورباع ) أحوال من ( ما ) ممنوعة من الصرف للوصف والعدل ، أي : اثنتين اثنتين ، وثلاثا ثلاثا ، وأربعا أربعا . يقول الحق جل جلاله : وَإِنْ خِفْتُمْ يا معشر الأولياء ألّا تعدلوا فِي الْيَتامى التي تحت حجركم إذا تزوجتم بهن طلبا لمالهن ، مع قلة جمالهن ، فتهجروهن أو تسيئوا عشرتهن ، فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ من غيرهن ، أو : وإن خفتم ألا تقسطوا في صداقهن إذا أعجبنكم لمالهنّ - الذي بيدكم - وجمالهن ، فانكحوا غيرهن ، ولا تنكحوهن إلا إذا أعطيتموهن صداق أمثالهن .
--> ( 1 ) قوله : ( من شأنها أن تقع على ما لا يعقل ) ، فيه نظر ، فإن ( ما ) تقع على العاقل وغير العاقل ، قال تعالى عن الصالحين : « إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم » ( سورة ص آية 24 ) وغير ذلك من آيات كثيرة ، بل إن قول الله تعالى : « فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، نص في أن « ما » تقع على العاقل . أما قوله : [ حتى التحقن بمن لا يعقل ] فينقضه الكثير من الآيات والأحاديث ، قال تعالى : « لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض » ( آل عمران 195 ) وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « النساء شقائق الرجال » وللمفسرين في الآية توجيهات أخر ، أولى من توجيه شيخنا ابن عجيبة ، منها : أن « ما » في الآية موصولة أو موصوفة . راجع ( تفسير : القرطبي - ابن عطيه - الآلولسى ) .